السيد عبد الأعلى السبزواري

330

مواهب الرحمن في تفسير القرآن

عقلية ، أو حسية ، أو هما معا ، وبينات موسى ( عليه السلام ) هي التوراة ، وما ذكره تعالى : وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ بَيِّناتٍ [ سورة الإسراء ، الآية : 101 ] ، وهي العصا ، والسنون ، واليد ، والحجر ، والدم ، والطوفان ، والقمل ، والضفادع ، وفلق البحر وسيأتي التفصيل في سورة الإسراء . وهي آيات باهرات تدل على وحدانيته تعالى فلا مجال للشك والريب بعد مجيئها . قوله تعالى : ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ . أي أنكم بعد أن وضح لكم الحق وظهر صدق موسى ( عليه السلام ) في ما يدعيه من توحيد اللّه تعالى ، وأنه هو المعبود المطلق عدلتم إلى عبادة العجل واتخذتموه إلها لكم وأنتم ظالمون ، وأي ظلم أعظم من الشرك باللّه تعالى ، والارتداد عن دينه ، وفيه من التوبيخ والتقريع العظيم لهم ويستفاد من هذه الآية المباركة أن الظلم الواقع منهم إنما كان بعد الإمهال لهم بالنظر في تلك الآيات البينات ، وإتمام الحجة ، وحينئذ يكون ظلمهم أعظم . قوله تعالى : وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا . تقدم شرح مثله في الآية المباركة - 63 من هذه السورة إلّا أن في الآية السابقة ذكر سبحانه وتعالى : وَاذْكُرُوا ما فِيهِ وهنا أمرهم بالفهم ، والمعنيان متقاربان ، فإن المراد من الذكر هو المذاكرة والحفظ كما أن المراد من السمع هو الفهم والعمل بالمسموع لا خصوص الدرك الظاهري من دون ترتيب الأثر عليه ، قال تعالى : وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قالُوا سَمِعْنا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ [ سورة الأنفال ، الآية : 21 ] فإن السماع الحقيقي الذي يترتب عليه نظام الإفادة والاستفادة ، والتعليم والتعلم ، بل جميع الكمالات إنما هو العمل بالمدرك إن كان حقا لا نفس الإدراك من حيث هو ، إذ ليس فيه كمال حتّى يذكر ، وهذا هو المراد بقوله تعالى : سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ [ سورة البقرة ، الآية : 285 ] وقوله تعالى : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ [ سورة الزمر ، الآية : 18 ] وغير ذلك من الآيات المباركة الكثيرة . ولعل ذكر السمع هنا لصحة إردافه بقوله تعالى : سَمِعْنا وَعَصَيْنا وإلّا فالسمع والذكر في الحقيقة واحد كما عرفت .